مقدمة الكتاب

shapetيوم وبّخني الأستاذ فهد، مدرس التاريخ في المرحلة المتوسطة على تقاعسي  في حصة التسميع، شعرت بالكثير    من الظلم، ففي وقت كان أقراني يجهدون في حفظ الدرس الأول عن ظهر قلب، كنت فرغت من قراءة الكتاب بأكمله، لم أشأ أن أحفظ النص غيباً، كنت أود للتاريخ أن يكون سردًا جميلًا، خياليّا، رومانسيّا، لا نصًّا صلبًا أجبر على ترداده كببغاء. لم يقسُ   الرجل عليَّ كثيرًا، ربما لأنه أدرك دافعي بفطنته وخبرته، ولأنه على الأرجح كان يدرك أيضًا أنني لن أستطيع أن أشرح الأمر كما أكتبه الآن بعد نيف وعشرين عامًا، لا أزال أذكر تهكمه على شخصيات الكتاب، “إقطاعيين أمسوا أبطالًا، وحكايات مزورة أصبحت تاريخًا .”

ربما كان هذا دافعي الدفين طوال سنوات، أمضيتها باحثًا عن أبطالي الحقيقيين غير  المكرسين في ثنايا التاريخ، أردت فيها للتاريخ أن يسند البطولة إلى الناس لا إلى الأمير، الخيم لا القصور، البيوت المتواضعة المتراصة على حافة المدينة، لا القلاع والحصون المنيعة، أردت تاريخًا يصنعه أبطال يشبهونني، لا إقطاعيون يشبهون ساسة هذا الزمان، والأهم، أردت تاريخًا يستند إلى قصص الناس لا إلى البطولات والمعارك ومناوشات السلاطين. لذا يوم قررت أن أكتب عن بيروت، علمت أنني لن أتمكّن من سرد وقائع تاريخية بالأرقام والتسلسل الزمني، بل قصص من لم يعنِ لهم الوقت والزمن شيئًا، لا رابط بينهم سوى أنهم عاشوا في بيروت، وعلمت أنني سأخالف قواعد اللغة والكتابة، وأن عليّ أن أخرج عن نطاق القصص أحيانًا، لأتحول أنا إلى الراوي، أشارك أبطالي  في سرد قصصهم، وأسهم في التعبير عما تختزن عيونهم وقلوبهم إن قصّروا في إظهارها. كان يجب أن أعيد ترتيب تاريخي الخاص، وكان لزامًا عليّ أن أتقمص حجرًا في زاوية شارع، أو قنديل زيت يخبو فتيله عندما يخلد الناس إلى النوم، وأن أتحوّل إلى حائط من حيطان المدينة كي  أستمع إلى همس سكانها في أسرّتهم. هذه بيروت الصغيرة الكبيرة، بحكاياها التي لا تنتهي، والتي لا سبيل إلى سبر  أغوارها وملاحقة أسرارها، فلا كتاب سيختزلها، ولا موسوعة ستسجن قصصها. بيروت مدينة في حجم تاريخها وقصص من عاش في زواريبها.

كان من باب الإنصاف ألّا  أحاول الكتابة عن بيروت المدينة، بل عن ناسها كي لا أبخسها حقَّها إن أضعت شيئًا من مأثوراتها الشعبية، أو قصصًا جرت على لسان أهلها، فاخترت أن أبحث في ذاكرتي عن بضع حكايات قرأتها أو سمعتها أو قابلت ورثة أصحابها، طوال أكثر من عشر    سنوات، وأن أغوص فيها لأخرج من كل قصة بحبكة درامية عن أناس لم يسعفهم الحظ في أن يدخلوا كتاب الأستاذ فهد، أو أن تنصفهم الذاكرة الشعبية. هؤلاء أناس عاديون، أمضوا حياتهم على هامش المدينة، إلّا  أن الكتاب يرسمهم كما في مخيلتي، ابطالاً، عاشوا يوماً خلف أسوار بيروت.

sige